الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
127
شرح ديوان ابن الفارض
( ن ) : مظهر نعت لدمع في البيت قبله ، أي إن الدمع أظهر ما كنت أعلمه من الحديث القديم ، أي الكلام الربّاني المنزّل ، قال تعالى : وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ [ الشّعراء : الآية 5 ] . اه . عبرة فيض جفوني عبرة بي أن تجري أسعى واشييّ العبرة بكسر العين : العجب . والفيض : كثرة الدمع حتى يسيل . والجفون جمع جفن ، وهو بالفتح ، وقد يكسر غطاء العين . والعبرة بفتح العين : الدمعة قبل أن تفيض ، وقد تطلق مطلقا وهو الكثير في كلام المولّدين . و « أن تجري » : ناصب ومنصوب ، و « أن » : هي المصدرية . و « أسعى » : اسم تفضيل من السعاية بالإنسان عند الحاكم وما أشبهه ، وهي المعدودة من الكبائر . وقوله « واشييّ » : مثنى مضاف إلى ياء المتكلم وحذفت نونه لذلك . الإعراب : عبرة : خبر مقدّم . وفيض جفوني : مبتدأ ومضاف إليه . وعبرة : حال من الجفون على التوسّع ، أو على ادّعاء أن الجفون نفسها فاضت فصارت دمعا على نحو قول القائل وأجاد : وقائلة ما بال دمعك أسودا * وقد كان محمرّا وأنت نحيل فقلت لها إن الدموع تجفّفت * وهذا سواد العين فهو يسيل وبي : بتحريك الياء متعلق بأسعى ، إذ يقال سعى زيد بعمر . وأن تجري : مبتدأ . وأسعى : خبره ، أي جريانها أشدّ . واشييّ : سعاية بي . وواشياه أحدهما الدمع والآخر الواشي بالمحبّ من ادّعاء المحبة ، وإنما كان جريان الدمع أشد سعاية من عدوّ المحبّ لكون الدمع صادقا في دلالته بخلاف الواشي من الناس فإنه قد يحمل كلامه على الغرض فلا يصدق بخلاف الدمع فإنه لا يحتمل التزوير . وفي بعض النسخ بي إذ تجري فينطقون بإذ مكان إن وهو تحريف نشأ من فساد الرواية للزوم اللحن الفاحش عليه وهو تحرّك الياء في تجري بدون ناصب ، وحاشا مقام الشيخ رضي اللّه عنه من ذلك ، وما ألطف قول القائل : يا واشيا حسنت فينا سعايته * نجيّ حذارك إنساني من الغرق وفي البيت جناس التحريف بين عبرة وعبرة ، وفيه المناسبة بين الفيض والجري والسعاية والوشاية ، وحيث أشار الشيخ رضي اللّه عنه إلى الدمع فلا بأس بذكر أبيات في معناه ولكنها أرقّ من الدمع وألطف من صفاء الجمع ، فإني قد اخترتها من أبيات في المعنى ، وناهيك بلذّة البيت في المعنى ، فمن ذلك قول ابن الخيّاط الدمشقي